أحمد مصطفى المراغي
29
تفسير المراغي
الصغير حتى يرى أكبر من حقيقته بألوف الأضعاف ، فأمكن أن نعرف أن في الأرض أنواعا من النسم الخفية تدخل الأجسام من خراطيم البراغيث أو البعوض أو القمل ، أو مع الماء والطعام ، وتنمو فيها بسرعة مدهشة فتولد ألوف الألوف ، ومتى تكاثرت ولدت الأمراض والأوبئة القاتلة ، ولو كان قد قيل : مثل هذا لأكبر أطباء لمصريين القدامى أو للهنود أو اليونان أو العرب لغدّوه نوعا من الشعوذة والسحر أو ضربا من التخيل والجنون . وإذا كان هذا الاتصال الخفي قد ثبت في الأجساد بعد آلاف السنين فلا عجب أن يثبت مثل ذلك في الأرواح ، وأمرها أخفى من الأجساد ، والكتاب والسنة مليئان بهذا ، فقد جاء في الحديث ما يدل على وجود هذه الجراثيم ( الميكروبات ) التي لم يثبتها الطب إلا حديثا ، وكفى بهذا معجزة لمحمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودلالة على أن اللّه أوحى إليه بنظريات لم يثبتها العلم إلا بعد ذلك بأربعة عشر قرنا ، فقد روى أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « تنكّبوا الغبار فإن منه تكون النسمة » وقال عمرو بن العاص : اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة ، ولو أن هذا الأثر قيل لغير المتمدينين وفسر لهم هذا التفسير قبل اختراع المناظير لكان فتنة للناس وزادهم نفورا مما جاء به الرسول ، ولكن في كل يوم يثبت العلم نظريات جديدة تكون نعم العون على صدق ما جاء به الرسول ، وتلقى نورا على الناس ينظرون به تلك الدرر الغوالي المبثوثة في القرآن والحديث وآثار الصدر الأول من المسلمين . ( وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) أي ووصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا وهو يوم البعث والجزاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكم فينا بما تشاء وأنت الحكم العدل . ومقصدهم من هذا الإخبار إظهار الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا وتفويض الأمر إلى ربهم العليم بحالهم ، ولم يذكر هنا قول المتبوعين من الشياطين وحكاه في آي أخرى فقال في الفريقين « ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ